النويري

17

نهاية الأرب في فنون الأدب

يحفرون البركة المستجدة الناصرية ، وتقدموا إلى كنيسة كانت مجاورة للبركة المذكورة ، وارتقوا عليها ، وحركت طبلخاناة الأمراء حربيا ، فكان ذلك على صفة الزحف ، فهدمها أولئك ، ولم يتمكن الأمير ركن الدين بيبرس المندوب لحفر البركة ، ولا الأمير شهاب الدين أحمد بن المهمندار [ 1 ] أمير النقباء من ردّهم ، ولا قدروا على منعهم ؛ لكثرتهم ، ونهبوا ما كان في الكنيسة بعد تشعيثها [ 2 ] بالهدم ، وكسرت أبوابها وما كان بها من الأواني ، وأريق ما بها من الخمور . ولما اتصل خبر هدمها بالسلطان غضب ، لانتهاك حرمة السلطنة ، وتجرّى العوام وإقدامهم على هذا الأمر ، ثم لم يكتف العوام بذلك إلى أن تقدموا إلى عدة كنايس ، بالقاهرة ومصر ، فنهبوها ، ونبشوا قبور بعض أموات النصارى وحرقوهم ، وشعّثوا الأبنية ، واجتمع بعض عوام مصر ، وتوجهوا إلى الكنيسة المعلَّقة [ 3 ] ، وقصدوا هدمها ، فما مكَّنوا من ذلك ، فاشتد حرج السلطان ، وأمر بالقبض على من أقدم على ذلك ، فمسك بعض العوام وحبسوا ، واستفتى السلطان القضاة فيما يلزم هؤلاء الذين انتهكوا الحرمة ، فأفتوه بتعزيرهم بحسب رأى الإمام ، فضرب بعضهم ، وشق مناخير بعض ، وأخرج من الاعتقال من أرباب الجرايم من وجب عليهم القتل ، فوسّط منهم جماعة ، وعلقوا في أماكن تخويفا للعوام ، ثم أعقب هذه الحادثة من الفتن ما نذكره . ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر [ 4 ] لما وقع ما ذكرناه / من هدم الكنايس ، وقع أثر ذلك الحريق بمصر المحروسة ، فكان أول ذلك أن احترقت دار الوكالة بالقاهرة في شهر ربيع الآخر [ 5 ] ، وهى التي عند باب البحر ، وتعرف بفندق الخزّ ، فاحترق فيها متاجر الناس من الزيت والعسل والأصناف ، فعدم لهم جملة كثيرة ، وظن الناس أن ذلك

--> [ 1 ] الضبط من ( السبكي معيد النعم ص 31 ) وفى هامشه أنه مركب من مهمن - الضيف ، دار - ممسك أو حافظ ، وفى صبح الأعشى ( 5 / 459 ) هو الذي يتصدى لتلقى الرسل والعربان الواردين على السلطان ، وينزلهم دار الضيافة ، ويتحدث في القيام بأمرهم . [ 2 ] يقال تشعث رأس الوتد أو المسواك : إذا تفرق والمعنى من ذلك على التشبيه . [ 3 ] الكنيسة المعلقة - كما في المقريزي ( الخطط ج 2 / 511 ) بمدينة مصر في خط قصر الشمع وهى جليلة القدر عند النصارى . [ 4 ] في « أ » ص 9 ومصيره . [ 5 ] في المقريزي ( السلوك 2 / 220 ) أن ابتداء الحريق كان يوم السبت خامس عشر جمادى الأولى وتواتر إلى سلخه « وقد أورد تفاصيل كثيرة لحوادث الحريق ، وانظر في هذا الخبر : النجوم ( 9 / 65 - 68 ) .